١٢ أكتوبر ٢٠٢٦

صدمة زيارة قصر الحمراء

في زيارة غرناطة و لما زرت قصر الحمراء كنت في حالة صدمة المكان جميل بس كنت بفكر و الناس البرة السور ده كانوا عايشين ازاي؟

أول ما دخلت وقفت. مش عشان الزحمة، عشان المكان. السقف محفور بشكل يصعب وصفة من جمالة، الجبس على الحيطان مافيهوش سنتيمتر فاضي، الخط العربي ماشي حوالين الأبواب كأنه بيحكي، والميّة ماشية في قنوات صغيرة من حوض لحوض بحساب. كل زاوية فيها تفصيلة، وكل تفصيلة وراها واحد قعد عليها شهور.

وده اللي خلاني أقف أكتر. المكان ده مش شغل معماري واحد. ده شغل نجارين، ونحاتين، وخطاطين، وبنّائين، وناس بتفهم في الميّة والميل والنور. أجيال من الصنايعية، كل واحد فيهم كان أحسن واحد في صنعته، واشتغلوا سنين عشان يطلع ده.

بس حد دفع

وأنا واقف في فناء الأسود جالي السؤال اللي ما سابنيش طول اليوم. ده كله اتدفع منين؟

من فوق التل بتشوف غرناطة كلها تحتك، البيوت الصغيرة في حي البيازين ورا بعض. الناس اللي كانوا عايشين هناك، ساعة ما القصر ده كان بيتبني، كانوا بيدفعوا ضرايب. من الزرع، ومن التجارة، ومن اللي في جيبهم. وكل قرش منهم طلع هنا، في سقف محفور هما عمرهم ما هيشوفوه. كانوا بيشوفوا السور بس.

حسيت بحاجة ناحيتهم. مش غضب، حاجة أقرب للأسف. إن الجمال ده كله اتبنى على ناس ما كانش ليهم فيه نصيب.

أنا فاهم ليه

وبصراحة، أنا فاهم. الحكومات بتعمل كده من زمان. مشروع كبير يشغّل الصنايعية سنين، يخليهم مشغولين ومعاهم فلوس، بدل ما يقعدوا من غير شغل ويتحولوا لحرامية أو يحصل اللي أوحش. المشروع الكبير أحياناً بيكون أرخص من الفوضى. دي مش فكرة جديدة ولا شريرة.

بس فيه فرق بين إنك تشغّل الناس، وإنك تاخد كل اللي عندهم عشان تبني لنفسك جنة ورا سور. وقصر الحمراء، بكل جماله، كان الحالة التانية. كان أكتر من اللازم بكتير.

اللي فضل

القصر فضل، والناس اللي دفعوا ثمنه راحوا، ومحدش فاكر أساميهم. الصنايعية سابوا بصمتهم في كل حيطة، ودافعي الضرايب ما سابوش حاجة.

من يوم غرناطة وأنا كل ما أشوف حاجة جميلة أوي، بسأل نفسي السؤال نفسه: مين دفع؟ ومين كان برّه السور؟